نخبة من الأكاديميين
469
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
العلاقات بين مسلمي الغرب وأقرانهم من المواطنين هناك للاهتزاز والتصدع . ولا نبالغ إذا قلنا : إن فشل تجارب ادماج المسلمين في المجتمعات التي هاجروا إليها يعود في قسم كبير منه إلى الارتكاس العلائقي المزمن بين بلدانهم الأم والبلدان التي حلوا فيها ، وهذا شأن قلما يوليه علماء الاجتماع الغربيون ، وهم يدرسون مآل اندماج أو تدامج المسلمين بين ظهرانيهم ، القدر اللازم من الأهمية والتدبر . ولا يجادل أحد فيما يذهب إليه بعض علماء الاجتماع والأنطرو بولوجيين الغربيين من قول : إنه لا ينبغي للأقليات المسلمة في الغرب أن يتحول أبناؤها إلى مجرد « وكلاء حصريين » يستوردون الصراعات إلى قلب المجتمعات التي احتضنتهم ، أو إلى مندوبين في المهجر ناطقين باسم مشكلات بلدانهم الأم ، أو إلى ما يسميه Olivier Roy : « رهائن لقضايا الشرق الأوسط » « 1 » . . . . نعم لا يجادل أحد في صحة ذلك . لكن ما لا ينبغي الجدال فيه أيضاً أن هؤلاء المهاجرين المسلمين لا يتعاطفون مع قضايا بلدانهم وحقوقها لأنهم جزء من « الأمة الإسلامية » فحَسْب ، بل لأنهم أيضاً ، قبل ذلك وبعده ، مكلفون بموجب شريعتهم واعتقاداتهم الدينية بمناصرة قضايا الحق والعدل والحرية في كل مكان وزمان ، بتنزيه كامل عن أية عصبية دينية أو عرقية أو اثنية تتعلق بهم أو تتصل بغيرهم وأسوة بكل أحرار العالم . فلا يمكن لمسلم شرعاً أن ينصر مسلماً آخر في باطل أو إثم أو اغتصاب أو ظلم . وبهذا المعنى يتخذ معنى « الأمة الواحدة » القرآني بعداً أخلاقياً وإنسانياً واستراتيجياً ، حتى ولو صح أن الآيتين القرآنيتين الوحيدتين اللتين أوردتا هذه التسمية « 2 » قد قصدتا بها « أمة المسلمين » كما ذهب إلى ذلك بعض المفسرين ، بينما رأى غيرهم أن الأمة المقصودة بالآيتين لا تعني « ملة المسلمين » حصراً بل « النوع الإنساني » « 3 » برمته أو البشرية جمعاء ، والمعنى الأخير عندنا هو الأصوب . وبالتالي ، فإنه لمن قبيل التبسيط الزعم بأن المسلمين محكومون بنعرة / عصبية الانتماء إلى أمة المسلمين بموجب تكليفهم الديني وفي جميع الأحوال والظروف . « 4 » فكيف للعلاقات بين المسلمين أينما حلوا وكانوا وبين العالم الغربي أن تستتب بينما يتعرض الإسلام كدين عالمي وكمشروع حضاري كوني لحملات التشويه والتجني والتحامل يومياً من خلال تقديمه على غير حقيقته وعَبْرَ أخذهِ وكل معتنقيه بجرائر وممارسات ليست منه ولا تمت إليه بصلة ، فترمى اعتقاداته بكبائر التهم ويجري التجديف عليها بدون أي تدقيق علمي من خلال تعمد إظهاره كنسق دوغمائي مناقض للحضارة والتنوير وحقوق الإنسان ، وكدين للظلامية والرجعية والجنوح إلى العنف ، أو كشريعة ذكورية تستذل المرأة وتستعبدها ، أو كثقافة ديدنها نفي الثقافات الأخرى ، كما من خلال تعميم صورة المسلم كإرهابي ، بينما الإرهاب بمفاهيمه المتداولة والممارسات هو خارج دائرة الاعتقادات والأفكار الإسلامية أصلًا ، وهي التي تعتبر الإنسان غاية ومحوراً للوجود ، وتتطلع إلى الرقي به إلى الكمال المطلق والمثير للسخرية مؤخراً اتهام الإسلام والمسلمين ب - " معاداة السامية " والتفاضل الاثني أو العنصري ، وكلها قرائن تستخر لخدمة وتأكيد وصحة الإرهاب . إن « إشكالية الإرهاب » هذه هي أحد أبرز عناوين الالتواء العلائقي القائم بين العالمين الإسلامي
--> ( 1 ) Roy , Olivier - « Le Monde » - Paris , 8 / 2 / 2006 . ( O . P . cit ) . ( 2 ) الآيتان الكريمتان هما : - « إنَّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون » - سورة الأنبياء 92 . - « وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون » - المؤمنون 52 . ( 3 ) الطباطبائي ، السيد محمد حسين « الميزان في تفسير القرآن » - المجلد / 14 ص . ص / 322 321 ، والمجلد 15 ، ص / 35 . ( 4 ) - Voir : Etienne , Bruno - « LIslam radical » - P . P . 95 - 96 , et : Lewis , Bernard ( O . P . cit ) .